ما وراء الخبر
طلال سلمان
أجمل ما في المشهد الذي شربته عيون اللبنانيين وإخوانهم العرب، على امتداد ساعات يوم أمس، أنه كان حقيقياً:
العدو حقيقي، بدولته العاتية وجيشه الذي كانوا يخيفون به »الدول«، وإمكاناته التي تتجاوز ما لدى العرب مجتمعين، وبقوى دعمه عالمياً، وهي غير محدودة.
والمقاومة حقيقية، مجاهدوها فتية آمنوا بأرضهم، بعد ربهم، فقاتلوا كأمجد ما يكون القتال، وحين وقع بعضهم في الأسر ظلوا على إيمانهم فلم يضعفوا ولم »يبيعوا« قضيتهم بسلامتهم الشخصية، وظلوا في معركة مفتوحة ضد سجانيهم، معتصمين بإيمانهم، مصدقين تعهّد قيادتهم بأنها لن تنساهم ولن تتخلى عن استعادتهم، مهما طال الأسر.
والشهداء حقيقيون، وهم حين وهبوا دماءهم لأرضهم في فلسطين كانوا يعرفون أنهم يخوضون حرب وجود مفتوحة لا تنتهي بمعركة أو بمجموعة من المعارك، ولا حتى بمجموعة من الحروب، وأن طوابير أخرى من المجاهدين سيأتون بعدهم تحت رايات متعددة الألوان موحدة الهدف…
ثم إن »الشهود« حقيقيون: اللبنانيون جميعاً وقد أسقطوا الخلافات التي فرّقتهم وتقاربوا حتى وحّدهم الموقف لتحية الأسرى العائدين بأكاليل من الغار، جباههم مرفوعة، والابتسامات تشع على وجوههم، يمدون أيديهم إلى »القيادات السياسية« الذين كانوا مختلفين إلى حد القطيعة فإذا بالكل يندفع إلى عناقهم وكأنه قد وجد »المشترك« الذي يعيد اللحمة إلى الصفوف. حتى من كان ذات يوم في موقع مختلف يراهن على »البعيد« وجد في عودة الأسرى فرصة لفك »أسره« شخصياً والتبرؤ من موقع »الابن الضال«.
كان النصر باهراً بحقيقته، وكان عظيماً بحقيقته: تقاطرت الحافلات الحاملة رموزه وأعلامه لتؤكد اللحمة بين أرض فلسطين وأرض لبنان، بينما الجنود الإسرائيليون يحملقون بالموكب المظفر مذهولين.
لقد عاد »المقاتلون« إلى »قواعدهم« وقد غدوا رموزاً مضيئة، تماماً مثل الذي أعطى بدمه اسمه لعملية تحريرهم: الرضوان!
عاد الذين اقتحموا الحدود المكهربة إلى أرضهم يتفقدونها ويسقونها بدمائهم.
دلال المغربي لم تكن وحيدة حين قرّرت أن تعيش وطنها ولو بالانغراس فيه.. ولا هي كانت وحيدة حين عادت لتبقى رمزاً مضيئاً لوطنها الذي سيبقى في الأسر منتظراً الجيل الثاني، الجيل الثالث من »دلال« التي وحّدت المشرق والمغرب عبر فلسطين وبها.
وكثير من رفاق »دلال« ارتاح في تراب وطنه منذ ،١٩٧٩ واثقاً أنه لن يكون »غريباً«، وبعضهم ما زال يبحث في وحدته عن مدخل إلى وطنه.
وكما عاد »الكل« فقد وجدوا »الكل« في انتظارهم عند المعبر في الناقورة، وفي ساحة الناقورة، ثم في مطار رفيق الحريري حيث احتشدت الدولة بكل رموزها: رئيسها العماد ميش




























