المقالات السياسية

اذا درس كل شخص الاحداث والازمات في الحقبة الاخيرة في مختلف ارجاء العالم ينتبه الى أنها تتمركز في بقعة او منطقة خاصة منه، واذا خاض اكثر فإنه يستوعب أن كل هذه المناطق لها موقع او مواصفات خاصة تاريخيا، جيوغرافيا، توبوغيرافيا، دينيا او استراتيجيا وحينما يتمعن اكثر فيدرك انها لا تتمحور إلا في منطقة الشرق الاوسط او المناطق والبلدان التي يقطنها المسلمون.
اما السؤال الذي يطرح نفسه هو: من وراء هذه الازمات ؟ من هم خالقو الاحداث ؟ ما هي دوافعهم وغاياتهم؟ من هم صانعو قراراتهم ؟ ماذا يبغون ؟ والى متى تستمر؟…. و كثير من الاسئلة التي تطرح بشكل ما او بآخر وتبقى بلا جواب صريح من قبل الجهات المعنية في هذا الكون او أن اجوبتها فيها غموض لا يدرك…
لعل في غموضها اغراضا سرية لايريدون أن يتفوهوا بها علانية حتى تتمهد الارضية التي يتدبرون او يخططون لها لتقرير مصير الشعوب المستهدفة او الوصول الى غاية ما ؟!.
بالطبع ما يحدث في الشرق الاوسط من احتلال ونهب ودمار وارهاب واستعمار وسيطرة وتفريق بين الدول وتوسيع للخلافات القومية والدينية واقامة ونشر للقواعد الصاروخية والعسكرية، وارساء الاساطيل الحربية في الخليج والبحار والبلاد المحيطة به ليست وليدة جديدة، بل وراءها دوافع دينية واقتصادية وتوسعية لها تخطيط مدروس وطويل الامد تساندها منظمات وحكومات تابعة لها.
ما شهدته المنطقة خلال البرهة الاخيرة إنما وراءها قوى كبرى وبلاد استعمارية او منظمات ما تسمى دينية في مقدمتها اميركا وبريطانيا.
في كل حروب منطقة الشرق الاوسط من الهجوم على ليبيا والجزائر والمغرب العربي ومن حرب مصر ـ اسرائيل، اسرائيل ـ لبنان، اسرائيل ـ سوريا، حرب العراق ـ ايران، حرب العراق والكويت والخليج الثانية واحتلال وغزو العراق واحتلال افغانستان وحرب في البوسنة والهرسك وكوسوفو ومقدونيا والشيشان و… والخلافات والصراعات الداخلية والقومية والمذهبية في بلدان المنطقة وباقي البلاد الاسلامية …. ما تسمى بحروب "نشر الديمقراطية" و"الحرب ضد الارهاب" واخيرا امتلاك الطاقة النووية وسلمية او غيرها….. كلها ذرائع تستخدم لاشعال حروب و صراعات لغاية مقصودة، ولذلك نرى أن الرئيس الاميركي جورج بوش لا زال يتحدث عن الحروب الصليبية ضد الإسلام تحت يافطة "الحرب على الإرهاب".
ومن ضمن هذه الذرائع التي تمسكوا بها لتسيير هجمتهم، وهي ليست بالاخيرة، ادعاؤهم ودعايتهم الواسعة والمدوية والحرب الاعلامية والنفسية التي يشنونها حول برنامج ايران النووي السلمي…. القضية لا تخفى على احد من تحريض واغواء هذا البلد او ذاك ضد الآخر….. و ما يلي يسلط الضوء على احداث المنطقة وما وراءها……
*حركات الصهيونية المسيحية وعقائدها:
يعتبر "سايروس سكوفيلد" (1843) أول مؤسس للدعوة "التدبيرية"، و "جون داربي" (1880) الموجّه الفعلي لها، يعاونه "جايمس بروكس" راعي أكبر كنائس "سانت لويس" واللذين روجا لـ "مخطط إلهي على الأرض لإقامة إسرائيل"، ويؤمن هؤلاء وبحسب الداعية "هول ليندسي" مؤلف كتابي "نهاية أعظم كرة أرضية" و "العالم الجديد"، " إن اللَّه قضى علينا أن نخوض غمار حرب نووية في هارمجدون وإن تحقيق وعد عودة يسوع يقضي بإقامة أرض صهيون ".
ويقول ليندسي في تفسير النبوءة: " إن علينا أن نمر بسبع مراحل واحدة منها نووية " وأيده في ذلك المبشر الانجيلي الذائع الصيت "جيري فولويل" والذي يعتبر الصديق رقم واحد لإسرائيل.
وولدت في القرن السادس عشر الميلادي وجهة نظر جديدة عن الماضي والحاضر وتحوّل ـ تبعاً لذلك ـ الموقف من اليهود نظرياً وعملياً، إذ قام ما يسمى بـ " حركة الإصلاح الديني " التي اسسها " مارتن لوثر" الذي دعا النصارى إلى إجلال اليهود وتعظيمهم وروّج لفكرة أن اليهود "أمة مختارة مفضلة".
ومن هنا نشأ "تعظيم" النصارى لليهود، وبدأ ظهور ما يسمى بالحركات الصهيونية المسيحية، وبدأ الاختراق الصهيوني للنصرانية، وبدأ النصارى يعيدون تفسيراتهم للكتاب المقدس ـ عندهم ـ ونصوصه باعتبار أن اليهود "شعب الله المختار، وهم القديسون، فمن يباركهم يباركه الرب، ومن يلعنهم يلعنه الرب".
وتؤكد هذه الحركة الجديدة على أن النصارى واليهود يتقاسمون الاعتقاد بالإله " يهوه " الإله اليهودي، وبأن المسيح والحواريين ولِدوا يهوداً، كما تؤكد بأن الشعبين الاميركي و اليهودي هما "شعبان متشردان" جاءا من شتى البلدان ومختلف بقاع الارض لكي يختار الاول اميركا والثاني الاراضي الفلسطينية كموطن لهما.
وما يستغرب في هذه التصريحات أن الشعب الاميركي احتل اراضي الهنود الحمر والثاني اغتصب اراضي الشعب الفلسطيني و سكنوا فيها، واكثر استغرابا اسنادهما هذا الوضع بـ "أمر مكتوب ومحتوم" تنبأوا به في الكتب المقدسة وانهم اختيروا له.
وفي خطاب جيمي كارتر أمام الكنيست في مارس 1979 قال الرئيس الأميركي الأسبق: "إننا نتقاسم معاً ميراث التوراة"، وأعلن في بيانه الانتخابي في العام نفسه: "إن تأمين إسرائيل المعاصرة هو تحقيق للنبوءات التوراتية".
إن الظروف التاريخية تؤكد أن أميركا هي جزء مكمل للعالم الغربي في فلسفته، وعقيدته، ونظامه، وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي، بفلسفته، وعقيدته المتمثلة بالدين الإسلامي، ولا تستطيع أميركا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام وإلى جانب العالم الغربي والكيان الصهيوني لأنها ـ إن فعلت عكس ذلك ـ فإنها تتنكر للغتها، وفلسفتها وثقافتها، ومؤسساتها.
وقال المستشار الأميركي السابق للأمن القومي" بريجنسكي": "إن على العرب أن يفهموا أن العلاقات الأميركية الإسرائيلية لا يمكن أن تكون متوازنة مع العلاقات العربية، لأن العلاقات الأميركية الإسرائيلية علاقات مبنية على التراث التاريخي والروحي".
لقد طالب النصارى الصهاينة قادتهم وزعماءهم بأن يضعوا نبوءات كتبهم المقدسة نصب أعينهم عند رسم الخطط والسياسات الاستراتيجية، وأن يكون لهم دور في صنع الأحداث القادمة، وألا يتركوا الأحداث للأقدار، بل يجب أن يعجلوا حتى "يسرع المسيح في العودة لإنقاذ شعب الله المختار" ـ اليهود في زعمهم ـ ويقيم "المملكة الإلهية على الأرض، فينشر السلام والأمن والرخاء".
ويقول المنصر الأميركي " فولويل " زعيم الأصوليين أنه يتمنى أن تأخذ إسرائيل أراضٍ جديدة في العراق، وسوريا، وتركيا، والسعودية، ومصر، والسودان، وكل أراضي لبنان، والأردن، والكويت، لأنها "أصلاً للأمة اليهودية… إن الله قد بارك أميركا، لأن أميركا تعاونت مع الله في حماية شعب غالٍ عليه".
يقول "کابوت لودج رئيس هيئة العلاقات الأجنبية في الکونغرس الاميرکي في خطاب ألقاه في بوسطن عام 1922 تحت عنوان "روح التعصب إزاء القضية الفلسطينية": "لا أستطيع التصور أن ترزح القدس وفلسطين لحکم المحمديين (المسلمين) يوماً ما، وإن بقاء القدس و فلسطين التي تعتبر أرضاً مقدسة لليهود بل لکل الشعوب المسيحية الکبيرة في الغرب بيد الأتراك (المسلمين) وصمة عار يجب إزالتها ! ".
والآخر يقول: " … سوف يسکن اليهود في الشرق کي يمحوا أفکار الأعراب المتحجرة الذين لا يرون غير أصول محمد الصلبة أصولاً أخرى".
ويعتقد هؤلاء المتشددون أن "قوى الشر (العرب والمسلمين) ستتحد ضد اسرائيل وستحشد جيشا لمحاربة المسيح يتضمن 400 مليون شخص، لكن المسيح يواجههم بسلاحه الفتاك ويقضي على هذا الجيش بالكامل".
فقد كان "كريستوفر كولومبس" مثلاً يعتقد أن مغامرته لاكتشاف العالم الجديد تأتي ضمن "خطة الرب لعودة المسيح، وبدء الألف عام السعيدة، وسوف تقود في النهاية إلى تحرير أورشليم (القدس) من الكفار (المسلمين) وإعادة بناء المعبد.
وقال كولومبس للملكة إيزابيلا أنه سوف يستخدم الذهب الذي يجده في العالم الجديد في "إعادة بناء المعبد لكي تكون أورشليم مركز العالم".
ويؤمن الطرفان بأن المكان الذي سيتم فيه ذلك القدوم هو "جبل الهيكل" (مصطلح يهودي) او الحرم الشريف (مصطلح اسلامي) في القدس؛ لأنه المكان الذي يجب أن يتم فيه إعادة بناء هيكلهم المزعوم، وبموجب العقيدة السائدة بين النصارى، فإن التعاليم الإنجيلية تتطلب حدوث ثلاثة أمور قبل أن يتحقق المجيء الثاني للمسيح:
"الأول: يجب أن تصبح إسرائيل دولة.
الثاني: يجب أن تكون القدس عاصمة يهودية.
الثالث: يجب أن يعاد بناء الهيكل".
وفي نظر هذه الطوائف من النصارى واليهود لم يبق سوى إعادة بناء الهيكل، وهو الشرط الثالث لكي يحدث المجيء المتوقع للمسيح وقد أنجز اليهود ـ بمؤازرة النصارى الصهاينة ـ الهدفين الأول والثاني، أما الثالث فإنه مهمة الوقت التي يرونها قريبة.
لقد كان إخراج القدس من سيطرة الإسلام حلم المسيحيين واليهود على السواء وهذا ما تحقق طبق تعبيراتهم في مختلف المناسبات.
ويعتقد حوالى أربعين مليون أميركي إنجيلي في الولايات المتحدة نفسها ـ بالإضافة إلى غيرهم خارج أميركا ـ "أن القوانين الوضعية لا تطبق على الاسرائيليين لانهم ـ في اعتقادهم -ـ يتصرفون حسب مشيئة الرب".
إن هذه الطائفة من الناس التي تتضمن عشرات الملايين من المتشددين في الولايات المتحدة واوروبا تدعم هذه الافكار ماديا وسياسيا حيث تواصل نشاطاتها وفقا لمشاريع 250 منظمة انجيلية متطرفة ترعى كلها مصالح اسرائيل من دون اي استثناء.
ولعل هذه الخلفية تفسر لنا الانحياز الاميركي الى جانب اليهود ضد الفلسطينيين مهما ارتكبوا من جرائم و فظائع و تفسر لنا ايضا لماذا تستثنى اسرائيل من كل الاجراءات بما في ذلك التفتيش عن اسلحتها النووية والبيولوجية.
في التاريخ اليهودي تقترب نهاية دورة الزمان بدخول الألفية الثالثة، لتبدأ دورة "ملك السلام اليهودي" الذي سيقضي على كل "أعداء إسرائيل" في زعمهم و"يستثمر اليهود عقيدة النصارى إذ يقتنعون بالتعاون حالياً معهم على هدم المسجد الأقصى، وإعادة بناء الهيكل، باعتباره القدر المتفق عليه بينهما، في حين يؤجل حسم نقاط الخلاف بينهما إلى ما بعد مجيء المسيح".
تصدر الزعماء الاصوليون من اليهود والنصارى نبوءات بين الحين والآخر استنادا الى الازمات الحادثة على الكرة الارضية بدءاً من الحرب العراقية ـ الكويتية والحرب بين ايران والعراق وحرب الخليج الثانية والحرب بين لبنان واسرائيل و…. يستخدمها هؤلاء الزعماء للتنبؤ وترويج عقيدتهم بأنها بداية لنشوب الحروب الدينية وخوض المغامرة والحرب النووية و… دمارالعالم التي تدمر فيه كل البلدان العربية والاسلامية.
تكمن الأبعاد السياسية للعقيدة الألفية التي يروج لها اليهود في أكبرعملية "غسيل دماغ" عالمية، تتبلور في عدة عوامل هي:
- قبول العالم لمبدء أو فكر الإبادة الذي تعتنقه إسرائيل في كل سلوكها.
- قبول العالم لفكر إبادة عرب المنطقة والاسلام.
- تبرئة ساحة إسرائيل من الاتهام بالعمل على وقوع هذه المعركة النووية المتوقعة.
- التمهيد لإنشاء دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
وهذه المنظمات تروج بأن الاسلام قوة جبّارة سائرة نحو الزوال، وانه مرتکز على القوة الظلم، ولذلك فإنه يشکل خطراً ذا ثلاثة جوانب:
أ ) إن الإسلام يهدف لإزالة إسرائيل التي يعتبرها المتطرفون الإنجيليون بنيان الله المرصوص على مرّ التاريخ.
ب ) إنه رادع أمام نهضة الشعوب العربية التواقة للمسيح المنجي.
ج ) إنه يقوم بالدعوة على مستوى العالم، وعلى الرغم من أن أوروبا قد صمدت أمام جيوش المسلمين في ا
المزيد