احمد بابانا العلوي- كاتب مغربيفى الثانى عشر من مارس-آذار سنة 1964، غيب الموت الأستاذ عباس محمود العقاد "ولد عام 1889" وفقد العالم العربى والإسلامى بوفاته أديبا من اكبر أدبائه، وشاعر فحلا، ومفكرا عميقا، وعلما قل نظيره بين الأعلام، وشخصية فذة لا تعوض لان الزمان ضنين بأمثال هذه العبقرية، لا ينفق منها بغير حساب.
يقول صديقه الشاعر عبد الرحمن صدقي: "لقد فقدناه وهو فى الخامسة والسبعين انهض ما يكون همة، وأقوى ما يكون ذهنا وأضرم ما يكون عاطفة"" "
لقد بدأ مسار العقاد الفكرى والأدبى والسياسي، فى مستهل القرن الماضى وسطع نجمه سطوعا باهرا على مدى خمسين عاما، كان خلالها من ابرز رواد النهضة والتجديد فى العالم العربى والإسلامي.."
ويرى الدكتور شوقى ضيف فى كتابه "مع العقاد" أن: العقاد لم يكتسب مكانته الأدبية الرفيعة من جاه ولا من وظيفة، ولا من لقب علمي، وإنما اكتسبها بكفاحه المتصل العنيف الذى يعد به أعجوبة من أعاجيب عصرنا النادرة، فقد تحول بعد حصوله على الشهادة الابتدائية يزود نفسه بالمعارف زادا وافرا..، ولا يخطو فى العقد الثالث من عمره حتى يفاجأ البيئات الأدبية فجاءت متوالية، بما ينقل عن الغرب من آثار محللا وناقدا مستنبطا مناقشا، وبما يرسم للشعر العربى من وجهة جديدة تتأثر فيها ملكات الشاعر بما يتجاوب حوله من موسيقى الطبيعة، وأصداء الجمال." "
وقد هدته بصيرته النافذة وعقله الراجح الثاقب وقدرته الفائقة على الدرس والقراءة والتحليل إلى وضع الأسس والمناهج الكفيلة بإخراج الأدب العربى والتراث الإسلامى عامة من حالة الجمود والركود والتقليد، وبالتالى نقله من ضفة إلى ضفة، بقصد إحيائه وترشيده وتقويمه على النهج المستقيم وعلى أساس مكين..
وخلاصة الرأى أن العقاد أراد منذ البداية أن يجدد الثقافة العربية الإسلامية، لكى تستعيد قدرتها على الإشعاع، وعلى الابتكار، وتتبوأ مكانتها المرموقة بين الآداب العالمية والإنسانية ولكى تعود منارة يهتدى بها الناس فى قضايا الحياة والاجتماع وفى قضايا الكون والوجود عامة.
ومن ثمة كان لابد للأدب العربى أن يتقدم ويتطور على وجهة الاستقلال بجملة معانيه بالنسبة إلى الفرد، وبالنسبة إلى الأمة.
ذلك أن الجنوح إلى الاستقلال هو اقرب ما يكون إلى الخلق والابتكار. وبالتالى فان صدق التعبير عن الشعور الإنسانى هو التجديد الحق الذى يعصم الأديب من التقليد والمحاكاة، ويبعده عن نقل الأشكال، والقوالب، وحكاية المعانى والألفاظ.
ومن هذا المنطلق فان العقاد يرى أن للأديب فى عالم الفكر رسالة واحدة هى رسالة الحرية والجمال، والجمال فى نظر العقاد هو الحرية، ويقول بهذا الخصوص بان الفكر الجميل هو الفكر الحر الذى لا ترين عليه الجهالة، ولا تغله الخرافات ولا يصده عن أن يصل إلى وجهته صاد من العجز والوناء ثم يمكنك أن تقول مثل ذلك فى الفنون الجميلة، لأنها هى الفنون التى تشبع فينا حاسة الحرية وتتخطى بنا حدود الضرورة والحاجة، وما من شيء تستجمله وتخف نفسك إليه وهو مغلول الحياة منقبض عن وظائفها، حتى الأخلاق ما من جميل فيها إلا كان جماله على قدر ما فيه من غلبة على الهوى، وترفع عن ضرورة، وقوة على تصريف أعمال النفس، فى دائرة الحرية والاختيار."" "
إن فكرة الحرية تعتبر فكرة محورية فى فكر العقاد تتجلى بوضوح فى دراساته ومقالاته ومجموعة مؤلفاته، حيث صبغت آثاره فى الشعر والنثر، وأبانت عن ملكاته الذهنية الخصبة وقدراته العقلية الحادة التى تجعله قادرا على الغوص فى المعانى حتى الأعماق، وتتمثل أيضا فى أدلته المنطقية الصارمة ودقة نقده للأدب والحياة، وكذلك رؤيته العميقة التى ترنو إلى تحقيق المثل العليا فى الحق والخير والجمال.
كانت القراءة تمثل ميدان نضاله الأكبر، إذ مضى يهجم على جميع فروع المعرفة يلتهم كل ما اتصل بها فى الشعر والفن والدين والفلسفة بجميع مذاهبها والتاريخ والسير والعلوم التجريبية والطبيعية والرياضية والإنسانية متمثلا من كل ذلك زادا وافرا جعله فى طليعة المتخصصين فى سائر صنوف المعرفة حتى غدا كأنه موسوعة ضخمة." "
إلا انه لم يكن يقبل على هذا التمثل معصوب العقل والبصيرة، فقد كان يحلل ما يقرأه ويعكف عليه ناقدا مما أتاح له أن يتخذ لنفسه مواقف واضحة إزاء المدنية الغربية وكل ما يتصل بها من مذاهب أدبية وفكرية.
ويقول الدكتور شوقى ضيف:بان العقاد يعتبر اكبر كاتب عربى معاصر خالط الأوروبيين فى آدابهم وفنونهم وعلومهم وفلسفاتهم الميتافيزيقية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية وآثار هذه المخالطة تشع فى جميع كتاباته حتى يصبح جسرا مهما فى عبور العقلية العربية الحديثة من شاطئ الركود إلى شاطئ النهوض.
وهو عقل كبير يتعامل مع العقل الغربى فى إدراك دقيق، يأخذ منه ،ويعطى من ذهنه الثاقب ومما تمثل فى ضميره من شخصيتنا القومية بحيث أصبح له دوره الأصيل فى نهضتنا الفكرية..
وكتاباته تشع فيها روح فلسفية قوية دون أن يعتنق مذهبا فلسفيا معينا وكأنه آمن بان العقل أوسع نطاق من أن يحتويه اتجاه فلسفى واحد." "
لان غاية المعرفة وميزانها فى تصوره وهو طلب الكمال وإدراك حقائق الكون ومعرفة دستور الفن الإلهى المحيط بكل شيء وهو فلسفة الفلسفات فى هذا الوجود.
وقد شرح العقاد هذه المسألة الدقيقة فأحاط بمختلف جوانبها يقوده عقل متزن راجح قادر على النفاذ إلى لباب المشكلات وأصولها.
ويقول فى هذا الباب: "أن الحياة عمل فنى تحكمه الأصول التى تحكم بيت الشعر ولحن الموسيقى وصورة المصور وهى تخرج من يد الفن الإلهى كما تخرج الدمية من يد الصانع القدير…
"إن الكون كله والحياة "وهى أعم من الكون فى نظري" والفن ومناظر الأرض والسماء كل أولئك مظهر للتآلف والتنازع بين الحرية والضرورة أو بين الجمال والمنقصة أو بين الروح والمادة أو بين أفراح الفن وأوزانه.
قوى مطلقة وقوانين تحكم هذه القوى المطلقة وكلما ائتلفت القوى والقوانين اقتربت من السمة الفنية والنظام الجميل،وهذا الائتلاف هو دستور الفن الإلهى المحيط بكل شيء.
ويضيف: فلتكن الحياة على هذا المعنى فلنفهم ضروراتها وقوانينها فما الضرورات والقوانين إلا الألقاب الذى تحصر فيه الحياة عند صبها وصباغتها ليكون لها حيز محدود فى هذا الوجود ولتسلم من العدم المطلق الذى تصير بها الفوضى إليه..
وإلا فتصور عالما لا موانع فيه، ولا أثقال، ثم انظر ماذا لعله أن يكون؟ انه لا يكون إلا فضاء بغير فاصل أو هيولى بغير تكوين؟ وقوام الأمر أن نجعل من القانون حرية ومن القيود حلية ومن الثورة نظاما، ومن الواجب شوقا، وفرحا ومن الكاؤس، او الهيولى عالما مقسما، وفلكا دائرا فهذا هو المثل الأعلى فى الحياة وهذا هو لب لباب فنها الإلهي".
وكأنى بالجمال هو غاية الحياة القصوى التى هى أسمى من جميع ما تناله المنافع والأغراض".
ثم يقول: "انك تستطيع ان تتخذ من "التأليف بين القيود والحرية" ميزانا صحيحا لوزن الأمم، والأفراد، والحضارات والفنون، فكلما اقتربت الأمة أو الفرد أو الحضارة أو الرأى أو الفن إلى حسن التأليف بين أفراح الحياة وأوزانها، بين خيالها وعروضها بين معناها وصورتها، كانت اقرب إلى السمو والنبالة والصدق لأنها اقرب إلى القصد الإلهى ووجهة الكون البادية فى جميع أجزائه".
ويقول أيضا: "ان الجمال البادى على وجوه الأشياء هو جمال متصل بأسباب الأبدية اتصال اصدق الحقائق، وأخفى البواطن ولعله إذا - أنعمنا النظر وتأملنا مليا- هو صورة الحقائق الأبدية الحسنى، إذا كان لابد لهذه الحقائق من صورة يتجلى فيها وجودها لمن يحس ويرى.
ويقابل النظرة الفنية، النظرة العلمية والنظرة الفلسفية وكلاهما ناقص، ومنحرف بعض الانحراف على الفطرة، لأنهما يفترضان الخروج من الكون واعتزاله لرؤيته ورصد حقائقه ولن ترى الكون حق رؤيته، وأنت تحاول الخروج منه والانفصال عنه ،وإنما تدرك حقيقة الكون وأنت "بعضه" أى متأثر به و مؤثر فيه، متصل بكل ما فيه من سر وجهر،وسرور وألم تعاطفه و يعاطفك وتعطيه وتأخذ منه.
الدنيا جمال نصل إليه من طريق الضرورة والدنيا روح نلمسها بيد من المادة فالروح هى الحقيقة والمادة هى وسيلة الإحساس بها. وما الفرق بين الظاهر والباطن منها إلا فى طريقة الإدراك واستعداد الحواس"" "
هكذا إذن يبدو للناظر المتأمل فى فكر العقاد أننا أمام مفكر من الطراز الرفيع يسعى بجهد كبير إلى وضع معالم لثورة معرفية، ستحفز الأمة العربية والإسلامية إلى نهضة فكرية وأدبية تكون مقدمة لتمزيق أغلال الاستبداد والطغيان التى تكبل الإرادات وتمنع القرائح والعقول من الابتكار والتجديد والإبداع، باعتبارها الترجمان الأمين للأمة فى طموحاتها وتطلعاتها لولوج العصر الجديد، يقول فى هذا الصدد: "مما لا مشاحة فيه أن النهضات القومية التى تشحذ العزائم وتحدوها فى نهج النماء والثراء لا تطلع على الأمم إلا أعقاب النهضات الأدبية التى يتيقظ فيها الشعور وتتحرك العواطف وتعتلج نوايا النفوس ومنازعها، وفى هذه الفترة ينبغ أعاظم الشعراء وتظهر أنفس مبتكرات الأدب فيكون الشعر كالناقوس المنبه للأمم والحادى الذى يأخذ بزمام ركبها " " "
لان الشعر فى نظره إنما هو حقيقة الحقائق والجوهر الصميم من كل ما له ظاهر فى متناول الحواس والعقول وهو ترجمان النفس والناقل الأمين.وليس الشعر تزجية فراغ، إنما هو عمل جاد ينفذ فيه الشاعر إلى تصوير المشاعر الدافقة تلقاء المحسوسات والمعقولات خالعا عليها من معانيها النفيسة ما يجعلها تعبر عن الإحساس الإنسانى العام.
يندرج كل ما سقناه ضمن النقد الصارم الذى وجهه العقاد إلى كل ضرب من ضروب التقليد والمحاكاة.
إلا أن المقام لا يتسع لعرض مجمل القضايا الفكرية والأدبية والاجتماعية، والسياسية التى تناولها العقاد فى مشروعه الفكرى ورسالته الثقافية .وكل ما نود الوقوف عنده فى هذه العجالة هو الماع إلى بعض الجوانب والمواقف حول بعض القضايا الجوهرية فى الفكر والأدب والحياة التى تدل على أصالة فكر العقاد وعمقه وقدرته على التمثل والتأمل فى حقائق العالم. والتعمق فى الأفكار فاتسم أسلوبه نتيجة لذلك بالرصانة وتفكيره بالدقة والإحاطة الشاملة.
يحدثنا الأديب محمود تيمور عن أسلوب العقاد وفكره قائلا: "وأنت ترى الصرامة والجد طابعا بارزا فى أدب العقاد. فالفكرة عنده لها أصالتها من المنطق والجملة بنيان مرصوص والكلمة فى الموضع الذى يكفل لها الجلال والحظر، فأدبه صورة صادقة لسيرته وهو فيما يكتب كأنما ينقل لنا مشاهد صحيحة من حياته العقلية والنفسية.
كان من جبروته فى خاصة أمره ومن عنفه بنفسه فى مجرى حياته أنه لم يرض السير فى طريق ممهد مألوف لا بوصفه شاعرا وكاتبا ولا بوصفه ناقدا ومؤلفا ولا بوصفه مترجما لأقطاب الأدب وقادة الفكر وعباقرة الإصلاح..، فهو بين معاصريه فى كل أولئك طراز وحده مجدد بالدعوة يجهر بها، مجددا بالنقد يدأب فيه، مجددا بالنماذج يقدمها وهو فى جملة أدبه صاحب مبدأ وخلق وإبداع.
فان شئت أن تقيس شعره بأوضاع الشعر العربى فى متانة النسيج وفصاحة اللفظ وإحكام القافية فلن تخرج عن القياس بما يباعد بين العقاد وبين فحول الشعراء، من قدامى ومحدثين ولكنك بعد ذلك واجد فى شعره وثبة تجديد فى أنماطه وموضوعاته وأغراضه.
جرى قلمه فى أدب ونقد وفى سياسة واجتماع فانفتح له مكان فى الصدارة مع الكتاب الذين خرجوا بالمقالة العصرية من إطارها الإنشائى وزخرفها اللفظي، ومعانيها المرددة وأفكارها المحدودة وسموا بها إلى مستوى رفيع البيان فيه يبرز الرأى ويسود المنطق وبه يتحقق الإقناع والتأثير فى الأداء والتعبير.
لم يكن العقاد يقنع فى بحثه وتأليفه بجمع المعلومات وصياغة الآراء وعرض الأفكار ولم يكن يعول على النقول من المصادر والأسانيد إلا حيث لا محيص من الاستشهاد والتدليل، ولكنه كان يجعل الموضوع الذى يتجرد لعرضه بناء خاصا به، فيه تكمن ذخيرة ثقافية عامرة وتتجلى إحاطة بجوانب الموضوع وما دار حوله من درس وتمحيص.
وكل كتاب له لا يعد بسطا أو شرحا أو تعليقا على مقررات سابقة بقدر ما يعد خلقا فنيا، له جدته وله خصائصه فى الشكل والموضوع على السواء. وفى عبقرياته، وغيرها من تراجم للأعلام من قادة وأدباء استطاع أن يسلك نهجا غير النهج الطبيعى المعهود فهو حين يرسم الشخصية التاريخية يكون فى شانها فكرة أساسية هى محور تلك الشخصية ومدار سلوكها فى الحياة وأثرها فى البيئة"" ".
فقد هداه بحثه ودرسه وغوصه فى مكنونات الشخصية إلى استنباط أسرار الشخصية مما يتيح له أن يقوم أعمالها فى ضوء الحقائق النفسية والاجتماعية للسلوك الإنساني.
فى كتابه "عبقرية محمد" صلى الله عليه وسلم، يقول بان الكتاب تقدير لعبقرية محمد صلى الله عليه وسلم بالمقدار الذى يدين به كل إنسان ولا يدين به المسلم وكفى، وبالحق الذى يبث له الحب فى قلب كل إنسان ،وليس فى قلب كل مسلم وكفى.فمحمد هنا عظيم.. لأنه قدوة المقتدين فى المناقب التى يتمناها المخلصون لجميع الناس.. عظيم لأنه على خلق عظيم..
وإيتاء العظمة حقها لازم فى كل آونة وبين كل قبيل، ولكنه فى هذا الزمن وفى عالمنا هذا ألزم منه فى أزمنة أخرى. لسببين متقاربين، لا لسبب واحد: احدهما أن العالم اليوم أحوج ما كان إلى المصلحين النافعين لشعوبهم وللشعوب كافة… والسبب الثانى أن الناس قد اجتراوا على العظمة فى زماننا بقدر حاجتهم إلى هدايتها.
لقد أغرى الناس بالجور فى هذا المجال غرورهم بطرائق العصر الحديث واعتقادهم انه قد أتى بالجديد الناسخ للقديم فى كل شيء حتى فى ملكات النفوس والأذهان، وهى مزية خالدة لا ينسخ فيها الجديد القديم.." "
إن التجنى والثلب والافتراء على العظماء من الآفات التى تهبط بالخلق الإنسانى إلى الحضيض وتهبط بالرجاء فى صلاح العيوب الخلقية والنفسية إلى ما دون الحضيض .
ويقول أيضا بأن تقدير محمد "ص" بالقياس الذى يفهمه المعاصرون ويتساوى فى قراره المسلمون وغير المسلمين نافع فى هذا الزمن، الذى التوت فيه مقاييس التقدير، انه لنافع لمن يقدرون محمدا وليس